الجمعة، 14 سبتمبر، 2012

ما الذي خسرته ليبيا .. ؟

المقالُ بقلم (إيثان كورين) ونُشر في جريدة النيويورك تايمز. الكاتب هو صاحب كتاب (خروج القذافي: القصة الخفيّة لثورة ليبيا). وهو من مؤسسي مجموعة (ابن سينا Avicenna) وهي منظمة غير ربحية تعمل لصالح المؤسسات الطبية الليبية.
ترجمة: أنس أبوميس) 

صباح الأربعاء، كان مخططا أن ألتقى وزملائي في اجتماع ببنغازي مع (كريستوفر ستيفنز)، السفير الأمريكي في ليبيا، من أجل مناقشة خطة لقسم طوارئ جديد في مستشفى بنغازي المركزي، أكبر وأحدث مستشفى في شرق ليبيا. الاجتماع لم ينعقد أبداً. ففي الليلة السابقة، حاصرت ميليشيات القنصلية الأمريكية في بنغازي، قاتلة السفير الأمريكي وثلاثة أمريكيين آخرين. نُقل السفير، دون نبض في قلبه، إلى المستشفى الذي كُنّا نأملُ أن نطوّره.

مسودة الاتفاق الذي كنا نعملُ عليه كان من نوعية المجهود بعيد النظرة الذي كان السفير ستيفنز يحبه – وهو في هذه الحصالة، تعاونٌ بين أطباء في (بوسطن) وبنغازي، برعاية منظمة غير حكومية أسستُها شخصيّاً مع ليبيين ذوي جنسية أمريكية بعد الثورة. هدفنا كان إنشاء مركز طبيّ بالإضافة إلى مركز للتدريب لشرق ليبيا كله. كان من نوعية الشراكة الخاصة-العامة والليبية-الأمريكية التي كان السفير ستيفنز يؤمن أنها ستساعد ليبيا للتقدم بعد عقود من الركود والاستبداد.

مساء الثلاثاء، حين كان الذين سيقتلونه لاحقاً يقتربون من المكان، كان السفير ستيفنز يخبرنا عبر الهاتف بحجم سعادته بالمشروع الذي قاربت ثماره أن تنضج. أخبرنا أنه من المهم أن نبدي دعم حكومتنا لمثل هذه المبادرات، وقررنا الاجتماع بالمدير العام للمركز (د.فتحي الجهاني) في المستشفى في اليوم التالي. الدكتور الجهاني نفسه استهدفته أحداث العنف وذلك لآرائه التقدميّة.

بعدها بنصف ساعة، اتصلت بمسؤولي أمن السفير لتنسيق تفاصيل زيارة الغد، الرّدُ الوحيد الذي سمعت هو " لدينا مشكلة هنا " بلهجة عنيفة بشكل مقلق. انقطع الخط. تــُـركنا لنستمع بعجزٍ لصوت العُنف البعيد يجوب المدينة تجاه غرفتنا في الفندق. صوت القواذف صاروخيّة، والنيران الرشاشة استمر لحوالي ساعة.
السفير ستيفنز وصل بعد منتصف الليل لمركز بنغازي الطبّي، حيث كان يُفترضُ أن نلتقي. استمرّ كادرُ غرفة الطوارئ، الذي ضمّ ليبيين عادوا من وظائف عالية الأجور في الغربة، لمدة 45 دقيقة محاولين إنعاشه. لم يكن هذا ذا أيّ فائدة.

المأساوية فيما حصل هي ببساطة مُتراكبَة. في كتابٍ سيصدُرُ قريباً حول الثورة الليبية، أجريتُ مقابلات مع كثير من المسؤولين الغربيين الحاليين والسابقين، والذين كانوا إما متشائمين وإما غيرمبالين بألم ليبيا المتعاظم. في نظرهم، كانت ليبيا مجرّد حدثٍ جانبيّ في تيار الربيع العربيّ العريض.

السفير ستيفنز لم يتفق مع وجهة النظر هذه. ناقشتُ معه مستقبل ليبيا في الربيع الماضي في مقهى بواشطن، حيث كان ينتظر تأكيد تكليفه كسفير في ليبيا. كان من قبلُ نائب رئيس البعثة إلى ليبيا، وقد كان مبعوث الولايات المتحدة إلى بنغازي خلال الأيام الخطيرة الأولى من الثورة. لذا، فإنه قد عرف ليبيا جيدا، وقد آمن بأنها ستصبحُ أولى قصص النجاح في الربيع العربي، آمن بأن التطرف الإسلاميّ يمكن تقليل أثره لو تصرفت الحكومات الغربيّة بشكل حاسم لوضع البلاد في مسار الاستقرار والتقدم الاجتماعي.

الآن، موته قد يعرقل العمل ذاته الذي روّج له.

السيّد ستيفنز فهم أن الليبيين قد عانوا تحت العقيد معمّر القذافي، وأن الحرب وعدم الاستقرار بعد الثورة كان متوقعاً.
وفهم أيضاً أن بعض، إن لم يكن كل، الكراهية التي دفعت بعض الشباب الليبيين للانضمام لجماعات متطرفة في أفغانستان والعراق قد نبعت من سنين من التهميش والظلم. لقد أحسّ أن فرصاً جديدة يجبُ أن تخلق لإبعاد الناس عن مثل هذه الأيديولوجيات المتجذرة في الكراهية.

لا شك أن هذا كان سببا في زياراته المتكررة لبنغازي، مدينة الشرق الكبرى، رغم المخاطر الواضحة؛ فقد حصلت هجومات على دبلوماسيين مرموقين هناك في الأشهر الماضية. من المحيّر حقّا في مثل هذا الوقت ضعف تأمين القنصيلية الأمريكية، لكنّي لستُ مندهشاً إن كان السيد ستيفنز قد قرر البقاء ليلة في بنغازي ببساطة لأنّ لائحة اجتماعاته القادمة بالليبيين هناك كانت طويلة جدّاً لدرجة منعت تحقيقها في نهار واحد.
في الصباح التالي للهجوم على القنصلية، رجعتُ وزملائي للمركز الطبي، حيث شاهدنا الحزن الغامر، أو كما قال أحدُ الأطباء " الشعور بالعار ". أولئك الذين عملوا لإنقاذ السيد ستيفنز انهمروا في البكاء، وكذلك الطبيب الذي كان مسؤولا. بعضهم عرف السيد ستيفنز شخصيّا والتقى به مُسبقاً، بعضهم لم يره من قبل. لكنهم كانوا جميعاً مدركين أنه كان من أبطال ليبيا، وبنغازي تحديداً، وأن موته قد يكون جرّ بنغازي إلى الخلف عدّة أشهر بعد إنجازاتها الثورية المذهلة؛ هذا إن لم يخلق ما حدث فترة من عدم الاستقرار في شرق ليبيا كله. كثيرٌ من الليبيين خارج المستشفى قدموا عزاءهم وأسفهم العميق لخسارة أمريكا.

في الغرب، يمكننا أن نتوقع توجهاً قويّا بين الحكومات والشركات الخاصة لإعلان فشل التجربة الليبية، وللرد بنفض اليد منها، وتفضيل التراجع أو التركيز على اجتثاث العناصر المتطرفة. سيكون هذا خطأ فادحا. هذا الهجوم قد دخل إلى المناظرة الرئاسية الأمريكية، (ميت رُومني) رد فعله الغريزيّ هو انتقاد الرئيس أوباما لتوقيت إدانة الهجوم. لكن وزيرة الخارجية الأمريكية (هيلاري كلينتون) أصابت حين وصفت شعب ليبيا بالحلفاء في الحرب ضد التطرف.

سيكون الخطأ الأكبر أن تعتبر الولايات المتحدةُ ليبيا بأنها ملاذٌ للإرهاب لا سبيل لإصلاحه، أو أن يندم الساسة في واشنطن لتدخلهم لدعم ثوار ليبيا. ليبيا لازلت اليوم في وضع أفضل بكثير مما كانت تحت القذافي. قبضة الخوف قد انكسرت. الملصقات الانتخابية تزينُ البلاد. الجدولُ الزمنيّ للانتخابات كان اتـُبعْ. هناك ثراءٌ في حرية التعبير للأفراد.

مع كل ما ذكر، يحتاج الليبيون المساعدة لتثبيت مكاسبهم، وللاستمرار في محاربة المتطرفين المدعومين من الخارج بشكل كبير، والذين يأملون في الركوب على الثورة باسم التعصّب. على الولايات المساعدة دعم الليبيين في مسعاهم هذا. آملُ أن خسارة السفير ستيفنز ستحث السلطات الليبية للإيفاء بوعودها في اتخاذ خطوات شجاعة لتصعيد الحملة لقمع التطرف وتجريد الميليشيات من سلاحها، كما نجحت في وعدها بإقامة الانتخابات في وقتها. يجب أن تطلب ليبيا مزيداً من الدعم من الحكومة الأمريكية في هذه المجهودات، تماماً كما تشجعُ المؤسسات الأمريكيّة لإيجاد قاعدة مشتركة مع نظائرهم الليبيين عملاً من أجل تحسين حياة المواطنين الليبيين.

في هذا الأسبوع خسرت الولايات المتحدة رجلاً من أكثر موظفيها إثارة للإعجاب، وأستطيع القول إن بعض الليبيين على الأقل يدركون بعمقٍ خسارتهم له أيضاً. حال وصولنا للمطار مع مرافقنا المسلح، توجه لنا شخصٌ من موظفي المطار بالقول: " اليوم، سأرجعُ لبيتي، سأنزعُ هذه الثياب، وأرتدِي اللون الأسود فقط. كليبيّ، أنا آسفٌ لوقوع ما حدث" .

الأربعاء، 12 سبتمبر، 2012

المُدافُعونَ عن المقدّس


ما حصلَ في بنغازي مساء اليوم لا يعدُو أن يكُون نسخة مكرّرة، كليشيه لمواقف عديدة سابقة شاهدناها. نكرَةٌ ما يُنتجُ عملاً (فيلماً، أو كتاباً .. الخ) مسيئا للإسلام، تنتفضُ على إثره جموعٌ بغضبٍ بركانيّ يحرقُ ويدمّر – وفي حالة أحداث اليوم يقتُل – كل شيء في وجهه؛ دون اكتراثٍ لدم الإنسان. يقُول عليه السلام (من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنّة).

يمتاز غالبية القائمين بهذه الأعمال بسُوء تقدير للأمور ممزوج بتوجيه خاطئ للعاطفة الدينيّة. مثلُ هذه الأعمال المُسيئة – التي نستنكرها دون شك – كان لها أن تذهب مع الرّيح دون أن يضرّ نتنُها أيّ رمزٍ مقدّس. لكنّ المتسرعين يساهمون ببراعة – كُل مرّة – في نشر هذه الأعمال والدعاية والترويج لها.

والمتفحص للسوابق المُشابهة يرى نمطاً واضحاً تؤول إليه يبتدئ بإبراز وإشهار هذه الأعمال المُسيئة. ثم يوفّر دعماً لها من المدافعين عن الحرية المطلقة للتعبير والمطالبين بتوفير الحماية الكاملة. المُحزنُ اجترارُ تلك الصورة النمطية عن المسلمين بأنهم جموع غاضبة منفعلة هدفها الوحيد الهدمُ والحرقُ والقتلُ بالإضافة إلى تكميم أي صوتٍ يختلفُ عنها.

المحزنُ أكثر أنّ جل المسلمين ممن ينفعلُ ويغضبُ للمقدّسات يتعاملُ معها بمنطقٍ تملكيّ استحواذيّ. أي أنّ منطلقه في عمله هو من باب أن هذه المقدّسات ملكٌ له وتمثيلٌ له لذا فغضبهُ جوهريا هو غضبٌ لذاتِه، وانتصارٌ لنفسه.

كما أنّ عقلية الدّفاع هذه تُوحي للمشاهد أن أتباع هذا الفكر ضُعفاء ليس لهم حجّة يقنعُون بها غيرهم، وأنّ سياستهم تعتمدُ العُنفَ وسيلة وحيدة للحوار.

الغيرة على المقدّسات صفة حسنة إن وُجّهت للتعمّق في كُنهها؛ فكم ممن خرجُوا نُصرة لرسُولهم لا يعرفُون من سيرته إلّا اليسير. كم منهم لا يستطيعُ أن يتبّع نهجه في إنكار الذّات، والصّبر على الأذى، ومعرفة الأولويّات.

يخطر في بالي مقالُ أبي طالبَ في محنة أبرهة ومشرُوع هدم الكعبة "للبيت ربٌ يحميه". المُقدّساتُ في نظري محفُوظةٌ مدَى الدّهر مهما امتدّت لها أيدي السفهاء. ولكنّ السفاهة لا تنحصرُ في الآخرين بل فينا منها الكثير.

الأربعاء، 5 سبتمبر، 2012

اعتقالُ سفّاح

أولى الصور لنزول السنوسي 
صدحت مساجدُ قريبة من مطار امعيتيقة بطرابلس اليوم بالتكبير ابتهاجاً بمقدم طيّارة من موريتانيا. على متن الطائرة؛ قبعَ ذليلاً رجلٌ أسمرُ البشرة، أجعدُ الشّعر، قبحُ وجهه مرآة لقبيح عمله؛ فقُبّحَ من وجهٍ وقُبّحَ حاملُه. بدت علامات الذلّ عليه وهو يُساقُ من طائرته إلى سيارة تأخذه لأحد السُّجون التي عرفها جيّداً وطالما عذب أبناء ليبيا فيها.

عبدالله السنوسي؛ اسمٌ ارتبط بدمويّة نظام القذافي. ظلّ متوارياً عن الأنظار طيلة أربعينيّة التيه التي فرضها القذّافي. ينفذ دون تردّد كلّ عملٍ من شأنه ترسيخُ حكم الدكتاتُور. فتولّى أعمال التصفية الداخلية في الثمانينيات، وامتدّت أذرعه بعدها لتطال المعارضين في شتّى أصقاع الأرض. بلغ ذروة جبروته في أواسط التسعينيات؛ حين كان المسؤول عن مجزرة أبوسليم سيّئة الذكر.

كم يا ترى يتّمت من أطفال يا سنوسي .. ؟
كم حرمتهم حنان الأب .. ؟
كم أذرفت من دموع صبيّة فقدت سندها .. أو زوجة فقدت حبيبها .. أو أمّ ثكلت ابنها ..؟
كم منعت النّاس من عبادة ربّك يا سنُوسي ..؟
كم نكّلت بهم لتمسّكهم بإسلامهم ..؟
كم تلذّذت بتعذيب العزّل الضّعفاء ..؟

لقد كُنتَ عبداً مطيعاً لسيّدك الّذي أرسله من ثارُوا عليه ليلقى جزاءه .. ظننتَ أنّك نجوتَ ببدنك، أنّ يد القدر لن تمتدّ إليك .. أحسبتَ أن تُترك ؟ فاليومَ تعستَ بحظك، وشقيت بعملك ..

اليوم تُجرُّ بالسلاسل؛ مكبّلاً ذليلاً ..

اليومَ يهدأ بعضُ ما في صدور أولئك الذين فقدُوا أحبابهم ..
(قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم، ويخزهم، وينصركُم عليهم، ويشف صدور قوم مُؤمنين، ويذهب غيظ صدورهم)
اليوم ..


يبتسمُ الشّهداءُ في علّيهم، وتكفكف دموع اليتامى والأرامل ..

لكأنّي أرى عجُوزاً .. عسَاها في النّعيم .. مع شهيديْها – الذين قتلتها حُرقة عليهما - سالم وبريّك  .. تعلمُ ما جرَى بكْ .. لتزداد الجنّة بهاءً بذاكـ ..

" غير اصبري يا عين لاتطريهم , ابريك وسالم اللي انهاتي بيهم "
كل المدونات الليبية