الخميس، 13 نوفمبر، 2014

لقد أخفقت اليوم

لقد أخفقت اليوم*
أو بالأحرى لقد أخفقت طيلة حياتي ..

مرحباً. اسمي جون. لقد كنت أجوب المكان منذ مدة، لكنني أخيراً أنشأت حساباً لأنشر هذا. أنا في حاجة لأن أزيح حمل حياتي عن صدري. أما عن نفسي، فأنا مصرفيّ في الـسادسة والأربعين من العمر وقد عشت حياتي كلها عكس ما أردت. كل أحلامي، شغفي، قد زالت. في وظيفة من التاسعة حتى السابعة. ستة أيام في الأسبوع. لستة وعشرين عاماً. اخترت باستمرار الطريق الآمَن في كل شيء، الأمر الذي غير في النهاية الشخص الذي كنت.

اليوم، علمتُ أن زوجتي كانت تخونني خلال السنوات العشر الأخيرة. لا يحملُ ابني أي مشاعرٍ تجاهي. أدركتُ أنني فوّتت جنازة والدي من أجل لا شيء. لم أكمل روايتي، ولم أسافر عبر العالم، ولا ساعدتُ المحتاجين. كل هذه الأشياء كنت أظنني متأكداً منها وأنا في أواخر مراهقتي وأوائل عشريناتي. لو قابلني النسخة الشابة مني اليوم، للكمني على وجهي. سوف أتكلم عن كيف حُطِّمت هذه الأحلام.

لنبدأ بوصفي وأنا في العشرين. يبدو الأمر وكأنني بالأمس كنت متأكداً أنني سأغير العالم. أحبني الناس وأحببت الناس. كنت مبتكراً، خلّاقاً، عفوياً، مقداماً على المخاطر، وممتازاً مع الناس. كان لدي حلمان. الأول كان أن أكتب كتاباً يوتوبياً/ديستوبياً**. والثاني، كان أن أسافر حول العالم وأساعد الفقراء والمشردين. 

حينها، كنت بدأت مواعدة زوجتي منذ أربع سنوات. حبٌ الصبا. لقد أحبَّت عفويّتي، وحيويتي، وقدرتي على إسعاد الناس وإشعارهم بالمحبة. كنت متأكداً أن كتابي سيغير العالم. كنت سأظهر جوانب "شريرة" و"خبيثة"، لأظهر لجمهوري أن كل الناس يفكرون بطريقة مختلفة، وأن الناس لا يعتقدون أن ما يفعلونه خاطئ. بلغت الصفحة 70 عندما كنت في العشرين. والآن لازلت في الصفحة 70، في عمر السادسة والأربعين.

بحلول العشرين، كنت قد عزمت على الترحال حول نيوزيلاندا والفيليبين. خططت لزيارة كل من آسيا، ثم أوروبا، ثم أمريكا (بالمناسبة، أنا أعيش في أستراليا). حتى اللحظة، لم أزر سوى نيوزيلاندا والفيليبين.

والآن، نصلُ إلى حيث اتخذت الأمور منحىً سيئاً. حسراتِي الكبرى. كنت في العشرين. كنت ابناً وحيداً. احتجت لأن أكون مستقلاً. احتجت لأن آخذ وظيفة الخرّيجِ تلك، والتي ستحدد حياتي بأكملها. أن أكرس حياتي لعمل من التاسعة إلى السابعة. بمَ كنت أفكر؟ كيف يمكنني أن أعيش حين تكون الوظيفة هي حياتي؟ بعد أن آتي للبيت، كنت آكل العشاء، وأجهز عملي لليوم التالي، وأنام في العاشرة، لأستيقظ في السادسة في اليوم التالي. يا إلهي، لا أتذكر آخر مرة قضيتُ وقتاً حميمياً مع زوجتي.

بالأمس، اعترفت زوجتي بأنها كانت تخونني خلال السنين العشر الماضية. عشر سنين. يبدو هذا كزمن طويل، لكن ليس بمقدوري استيعابه. ولا يؤلمني الأمر حتى. إنها تقول إن ذلك لأنني تغيرتُ. لم أعد الشخص الذي كنت. ماذا كنت أفعل خلال السنوات العشر الأخيرة؟ خارج العمل، لا شيء يذكر. لم أكن زوجاً أصيلاً. ولم أكن نفسي.

من أنا ؟ ما الذي جرى لي؟ لم أطلب حتى الطلاق، ولم أصرخ بوجهها، أو أبكِ. لم أشعر بشيء. بإمكاني الآن الشعور بدمعة وأنا أكتب هذا. ولكن ليس بسبب أن زوجتي تخونني، ولكن لأنني الآن أدرك أنني أموت من الداخل. ما الذي حدث لذاك الشخص الحيوي محب المرح ومتحدي المخاطر الذي كان أنا، ذاك الذي يتحرّق لتغيير العالم؟ أتذكّر أنني دعيت لموعد غرامي من قبل الفتاة الأكثر شعبية في المدرسة، ولكني رفضت من أجل زوجتي الحالية. يا إلهي، لقد كنت محبوباً جداً من الفتيات في الثانوية. في الجامعة أيضاً. لكنني بقيت مخلصاً.لم أستكشف. درست كل يوم.
أتذكرون تلك الرحلة وكتابة الكتاب الذي أخبرتكم عنه؟ كان ذلك كله في السنوات الأولى من الجامعة. عملتُ بدوام جزئي وبدّدتُ كل ما جنيت. الآن، أنا أدّخر كل قرش. لا أتذكر آخر مرة أنفقت فيها أي مبلغ على شيءٍ ممتع. على أي شيءٍ لنفسي. ما الذي أريدهُ أصلاً الآن ؟

توفي والدي قبل عشر سنين. أتذكر أني تلقيت مكالمات من أمي، تخبرني أنه كان يغدو مريضاً أكثر فأكثر. وأنا كنت أغدو منشغلاً أكثر فأكثر، قاب قوسين أو أدنى من ترقية كبيرة. كررتُ تأجيل زيارتي، متأملاً في نفسي أن يتماسك. لقد مات، وحصلت على ترقيتي. لم أره منذ خمسة عشر عاماً. عندما توفي، قلت لنفسي إنه ليس من المهم أنني لم أره. لكوني ملحداً، بررت لنفسي قائلاً إن ذلك لم يهم لأنه ميت. بم كنتُ أفكر؟ مبرراً كل شيء، مقدماً الأعذار لتأجيل الأمور. أعذار. تسويف. كل ذلك يقود لشيءٍ واحد، اللاشيء.

سوغتُ لنفسي أن الاستقرار المادي كان أهم شيء. الآن أعرف أنه بالتأكيد ليس أهم شيء. أنا نادمٌ لترك وظيفتي تستولي على حياتي. أنا نادمٌ لكوني زوجاً شنيعاً، مجرد آلة لكسب المال. أنا نادمٌ لعدم إنهاء روايتي، ولعدم السفر في العالم. لأني لم أكن داعماً عاطفياً لابني. لكوني محفظةً لعينة عديمة المشاعر.

إن كنت تقرأ هذا، وحياتك بأكملها أمامك، فأنا أرجوك. لا تسوّف. لا تدع أحلامك لما بعد. تلذذ بطاقتك، وبشغفك. لا تستخدم الإنترنت طيلة وقت فراغك (إلا إن كان شغفك يحتاج ذلك). أرجوك، افعل شيئاً ما بحياتك وأنت يافع. لا تستكن وأنت في العشرين. لا تنس أصدقاءك، وعائلتك. ونفسك. لا تضع حياتك، وطموحاتك، كما ضيعتها. لا تكن مثلي.
أنا آسفٌ على هذا المنشور الطويل، لم يكن بيدي إلا هذه الفضفضة.

* هذا المقال مترجم عن الإنجليزية من مقالة جون جيريسون JohnJerryson في موقع التواصل الاجتماعي Reddit ضمن حملة بالموقع تحت عنوان Today I Fucked Up يشارك فيها الناس القُرّاءَ بمقالاتهم عن أخطائهم. نص المقال الأصلي: http://www.reddit.com/r/tifu/comments/2livoo/tifu_my_whole_life_my_regrets_as_a_46_year_old/


** الرواية اليوتوبية: المتحدثة عن المدينة الفاضلة، وأما أدب المدينة الفاسدة فيسمى ديستوبيا. 

الخميس، 20 فبراير، 2014

لماذا سأصوّت ..؟



اليوم هو العشرون من فبراير 2014. فبراير، الشهر الذي يبدو أنّه شهرٌ حافلٌ على الدوام في ليبيا. قبل ثلاث سنين، سحلت أجساد المتظاهرين في ميدان الشهداء في بداية الثورة. واليوم، تفرّقت الآراء وتشعبت السبل بعد اتّحاد كان مكتوباً له، كعادة الأشياء، الزوال والانحلال. شهدنا هذا العام فوز المنتخب الوطنيّ بكأس أفريقيا للمحليين، الإنجاز الذي لا ينكر أشدّ المتشائمين أنّه بث شعوراً من التفاؤل، ولو لحظياً، بين الناس. بعدها بأيام، كان حراك " لا للتمديد " الذي طالب المؤتمر بالتنحي بحكم انتهاء ولايته. وبين فرحة الكرة وإخفاقات المؤتمر، برزت موضة "الانقلابات المتلفزة" التي افتتحها حفتر لتتلوه بعد أيام كتائب القعقاع والصواعق.

هناك شعورٌ عام بالإحباط والترقّب في ليبيا هذه الأيام. النّاس اليوم مفترقون، بين مصوتٍ، وغير مصوتٍ، وغير مكترثٍ لهذا ولا ذاك بسبب الإحباط المتفشّي. المقاطعون للانتخابات أسبابهم شتّى. هناك الأمازيغ الذين يرفضون توزيع المقاعد الحاليّ ويطالبون بكوتا أكثر ضمانةً لتمثيلهم. من المقاطعين، في طرابلس بالأخصّ، من يرى أنّ التوزيع الحاليّ للمقاعد على الطريقة الفيدرالية (ستون مقعداً، عشرون لكل ولاية من الولايات الثلاث) هو توزيعٌ ظالمٌ وفيه اجترارٌ تاريخيّ لا محلّ له. بالإضافة للمقاطعين لأسبابٍ محددة، هناك من هو نادمٌ على تصويته في انتخابات المؤتمر الوطنيّ، ولا يريد تكرار ذات الخطأ، فهو منسحبٌ من الأمر برمّته.

شخصياً، قررت التسجيل في الانتخابات والتصويت لأسبابٍ عدّة. يرى الناظر بوادر انحلالٍ للعملية الديمقراطية (ولو كانت صورية) في ليبيا. هذه البوادر المنذرة برزت بوضوح مع حراك "لا للتمديد". كل اللقاءات التلفزيونية للداعمين للحراك، وكل النقاشات التي خضتها مع داعميه، كانت تنتهي بي إلى السؤال التالي "ماذا بعد .. ؟ ". ولما لم أجد جواباً على هذا السؤال، ويكون البديل الوحيد المطروح هو "القبائل الشريفة" بتعبير أحد أعضاء المؤتمر "المستقيلين" يوم 7 فبراير، فإنّ هذا يشكل عندي واحدةً من أكبر الكوارث التي يمكن أن تصيب البلد. يزداد هذا التخوف حينما يبدو قادة ميليشياتٍ مثل القعقاع، المرتبطين بما يُفترض أنه الحزب الفائز في الانتخابات الماضية، مستعدّين للإجهاز على ما تبقى من صورة الديمقراطية الوليدة، ليتبع ذلك "تسليم السلطة للشعب" .. يعلم الله أي شعبٍ هو ..

لا يشكل الدستور بالنسبة لي، كما هو للكثيرين، العصا السحرية التي ستحلّ مشاكل البلاد. لكنّه يمثل في نظري مرحلة مهمّة، ينبغي أن تقطعها البلاد بأسرع وقتٍ ممكن، وبأقلّ قدرٍ من الخسائر. لن يكون في نظري أي حراكٍ اقتصاديّ حقيقيّ في البلاد (وبالتالي أي تغير ملموس في حياة الإنسان) مع أي حكومة مؤقتة. لذا، فإنّ إطالة الفترة الانتقالية/المؤقتة لا يزيد إلا في تعقيد الوضع، وإنهاك المواطن، وتقوية من في مصلحتهم دوام الوضع على ما هو عليه. بالمقابل، إنّ نجاح انتخابات اللجنة التأسيسية، ومن ثمّ تمكنّها من كتابة دستورٍ يتوافق عليه الشعب الليبي، سيعدّ أمام العالم، الذي نحتاجه أكثر مما يحتاجنا، علامةً على أنّ ليبيا في الاتجاه الصحيح.

أعتقد أنّ المركب ستسير مهما كان حجم المقاطعة. وأفضّل أن أكون من النادمين على اختيارٍ اجتهدتُ في تحرّيه، على أن أكون من النادمين على مقاطعتي للانتخابات. 
كل المدونات الليبية