الاثنين، 16 سبتمبر 2013

عمر المختار؛ تساؤلات ..


اليوم السادس عشر من سبتمبر هو ذكرى استشهاد عمر المختار على أيدي القوات الإيطالية. تحضرني في هذه المناسبة مجموعة من الأسئلة ..
ما الذي كان يقاتل عمر المختار من أجله ..؟ ما كانت قضيّته المحوريّة بالضبط ..؟

**
هل كانت حرباً من أجل قبيلته المنفة.. ؟ أو تحالفٍ لمجموعة من القبائل المتجاورة بالمنطقة ..؟
هل كانت دفاعاً عن مضارب بني قومه .. ؟ أم هل كانت من أجل مسقط رأسه البطنان ؟ هل كانت حربه من أجل برقة مثلاً التي ربّما كان يراها هي الوطن .. ؟ وهل كانت فكرة الوطن موجودة وحاضرةً أم لم يكن يعبء بها أصلاً .. 

وبالحديث عن القبائل والمنطقة، إذا وسّعنا زاوية النظر، هل كانت حرب عمر المختار حقاً حرباً وطنية  ..؟ حرباً هدفها تحرير وطن معروف المعالم من غاصبٍ معتدٍ قادمٍ من وراء البحار ..؟ وما هي تضاريس مفهوم الوطن في ذهن عمر المختار..؟  هل كان قتاله من أجل ليبيا التي لم تكن قد ولدت فكرتها بعد في أذهان المناضلين ..؟

*
هل كان عمر المختار يقاتل لأجل الإسلام. .؟

أقصد أنه حربه كانت هي الحرب المقدّسة؛ الجهاد في سبيل الله بالنفس والمال ضدّ أعداء الله الكُفّار طلباً إما للنصر أو الشهادة.

هل قاتل عمر المختار لمجرّد انتمائه لـ"طائفة" دينية معيّنة هي السنوسيّة ..؟ هل كان يراها هي الممثّل الرسميّ للإسلام فاندفع لا يهابُ شيئاً مقاتلاً من أجلها .. ؟  

تمثال لـ عمر المختار بالعاصمة الفنزويلية كاراكاس ا
آه. وكيف كان تديّن عمر المختار ..؟ نحن نعلم أنه كان يحمل ولاءً للسنوسيّة، وهي جماعة دينيّة تجديديّة، تقتربُ من السلفيّة الجهادية أكثر من صوفيّة الدروشة، وذلكَ واضحٌ من الحروب التي خاضتها ضد المستعمرين في حروبٍ امتدّت بشمال أفريقيا والصحراء الكبرى عامة ..
هل كان عمر المختار وفقاً لهذا المفهوم إذن راديكالياً إرهابياً ..؟ ينتمي للتخلّف ويرفضُ بغباءٍ كل الخيراتِ، والمعارف، ووسائل التقدم الماديّ التي جلبها الإيطاليون بسبب طبيعته الدينية المتخلّفة المتشددة .. ؟

ما سرّ شهرة عمر المختار التي بلغت الآفاق .. وما سبب إعجاب الملايين من العرب والمسلمين به حول العالم ..؟ 

*


أيضاً. لماذا صار عمر المختار هو البطل "القوميّ" الوحيد لليبيا ..؟ رغم أن حربه كانت في برقة فقط كغيره من الرموز الذين ارتبطوا بمناطقهم ومدنهم ..
هل كانت ضراوته في قتال الإيطاليين وابتهاجهم الشديد بالقبض عليه هي السبب ..؟
أم أن طريقة إعدامه العلنيّ منحته سهماً يفوق أترابه .. ؟
عمر المختار محاطاً بالجنود الإيطاليين

**


هناك أسئلة محيّرة أيضاً حول علاقة القذّافي بعمر المختار ..

ملصق فيلم أسد الصحراء الذي أنتج عام 1981
فمن جهة، القذافي هو من أزاح ضريح عمر المختار ببنغازي، فيما يبدو انعكاساً واضحاً لغيرة منه ومحاولة جادّة لطمس أثره .. وكذلك حارب القذافي كلّ ذكر للسنوسيّة التي كان لعمر المختار ارتباطٌ وثيقٌ بها.

ومن ناحية أخرى، كان عمر المختار هو البطل الوحيد الذي تحتفي به جماهيرية العقيد بخلاف قائدها الأوحد طبعاً. فقد وُضعت صورته على العملة، وضُمِّن اسمه في دروس الأطفال، بل وصرفت ليبيا الملايين لإنتاج سينمائيّ صرفت عليه جماهيرية "اشتراكيّة" معادية للرأسمالية مبلغاً قدره 35 مليون دولار أمريكي فيما يُعتبر من أهمّ الإنتاجات السينمائية العربية.


على الأرجح هي مجرّد تقلّبات العقيد المعروفة ..

*

ربما تقود الأسئلة السابقة لأسئلة أخرى مرتبطة بـ"الهوية الليبية" والوعي الليبي التاريخيّ.
على أي حال، أعتقد أن الأمم عامّة مهووسة برسم صورة معينة في أذهان مواطنيها لأبطالهم التاريخيين. وأعتقد أننا غالباً ما نرسمُ صورة ورديّة غير واقعية لأولئك الأبطال ترفعهم لمرتبة القدّيسين. وربما من الجيّد أن يجد النّاس رمزاً يلتفّون حوله بكلّ شغف بغض النظر عن مدى صدقيّة ذلك وتطابقه مع حقائق التاريخ. 

الثلاثاء، 23 يوليو 2013

كيف تصنعُ مصلحة حكومية بنفسك ..


التقى صباح اليوم الاثنين السفير البريطانيّ بطرابلس بوزير العمل الليبيّ في إطار سعي الدولتين المتصف كل منهما بالعَظمة (حالياً أو سابقاً)  إلى تبادل الخبرات. وفي سياق هذه الزيارة أبدى السفير البريطانيّ سعادته بالتعرف على طرق الإدارة الحديثة المطبّقة في المصالح الحكوميّة الليبية، حيث عرضت الوزارة خطتها المطبقة على كافة المصالح تخطيطاً وإدارة. وجاء فيها :

" يُختارُ لأيّ مصلحة ليبية اسمٌ يُفضّلُ فيه الإطالة لا الاختصار. فالاختصارُ مخلّ والإيجازُ عيبٌ بينما الإطالة من شرُوط حفظ هيبة الدولة عن طريق إبهار المواطن. صحيحٌ أنّ البلاغة تقتضي الإيجاز، لكننا لسنا بصدد درسٍ في اللغة العربية. كمثالٍ لهذه التوصية انظر مثلاً المنظومة القطاعيةالخاصة بالجهات التابعة للوزارة بمصلحة الطرق والجسور والنقل البري.

ثُم إنّه بعد مرحلة اختيار الاسم، تأتي خطوة لا تقلّ عنها أهميّة، ألا وهي اختيار الإحداثيات بلغة الثوار. يُختارُ المكان أبعد ما يكون عن أيّ شارعٍ له اسمٌ معرُوف. يُفضل أن يكون في أشدّ نواحي المدينة حرّاً وأبعدها عن مرمى النظر. يكون المبنى المختارُ لحمل شرف اسم الدولة مبنىً لا تظهرُ عليه أيّ من علاماتِ الجهات الحكوميّة كأن يكون فيلاً مستأجرة مثلاً وذلك لتمويه المخربين المضيعين لوقت موظفي الحكومة الثمين. يُحذر أشدّ الحذر من استخدام أي لافتاتٍ أو علاماتٍ دالّة في الطريق المؤدية للمبنى أو داخل المبنى نفسِه سواءً. نحنُ نسعى لشحذ ذهن مواطنينا وتنمية حسّ الاتجاهات لديهم.
يُفضّل أن تُنشأ المكاتبُ على قطعة أرضٍ رمليّة لا طينيّة ولا مُسفلتَة. وبعدُ، فإنّ من شروط تصميم أي مصلحة حكومية ليبية أن تكون شاسعة مترامية الأطراف بحيث يمكن ترك أكبر مسافة ممكنة بين كلّ مكتبٍ ونظيره. ويندرجُ تحتّ باب الرياضة للجميع شرطُ إبعاد المكاتبِ ذات الوظائف المتصلة بعضها عن بعض. مثلاً، يُفضل أن يكون ختمُ معاملةٍ ما في طابقٍ ومكتب المدير المخول بالتوقيع عليها في طابقٍ آخر. يُمنعُ منعاً باتّاً إنشاءُ أيّ مرافقَ لركنِ السيّارات وذلك توفيراً للمساحة. فنحنُ كما تعلمون في بلادٍ ضيّقة لا تعادل مساحتها إلا مساحة بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا واليونان مجتمعة فقط ! "

وفيما يخصّ تنظيم الإدارة الداخليّة للمصلحة الحكومية أشارت الوزارة قائلة " خطتنا في الإدارة الداخلية تتلخص في ثلاثِ كلماتٍ : الورق، الورق، الورق. ينبغي أن ترصّ الأرفف بشتّى ألوان وصنوف الورق لإضفاء جوٍ من البهجة على المصلحة الحكومية. ثمّ إننا في عصرٍ خطير يحاول البعضُ فيه التدليس على الناس بمشاريع الحكومة الإلكترونية غير آبِهين بالمخاطرِ المحدقة بأي نظامٍ إلكترونيّ من فيروساتٍ حاسوبية وهاكرز لا يخافون الله ولا يرقبون في موظفٍ إلًا ولا ذمّة" .

ختمت المحاضرة بحوصلة للبرامج التدريبية المخصصة لتنمية قدرات الموظف الليبيّ.
" الموظف الليبي مُدرّب جيداً لأن يجابه العدوّ – المواطن - بالوضعية التوزيعية آلياً. يتلو ذلك أسلوب النواقص الذي يسردُ فيه الموظّف جميع الكواغد المتوقعة وغير المتوقعة. مثلاً :

جيب أربعة صور شمسية. والخامسة قمريّة. والسادسة حسب تقويم المايا. وسابعهم كلبهم..

وإن كُنت من طويلي الصبرِ " المُعششين " فإنه لن يجدَ إلا أن يستخدم معك البروتوكول المتبع دولياً والمتمثل في رفع الأنف ونفخ الأشداق والتأفف، بحكم أنّ المواطنَ ابن الكلب آتٍ يطلبُ من مالِ أبي الموظّف وأمّ الحكومة. أخزاه الله ولعنه – المواطن لا الموظّف -  .."
**


إثرَ هذا اللقاء الموفّق شكرَ السفير البريطانيّ وزارة العمل الليبية لإتاحتها هذه الفرصة واعداً إياها بنقل التجربة الليبية للملكة البريطانية على جناح السرعة من أجل إرسائها هناك. كما تعهدت وزارة العمل الليبية بالتكفل بتدريب ألفي موظفٍ بريطانيّ على أصول الإدارة. 

الجمعة، 10 مايو 2013

النهيقُ داخلَ السرب


(لا علاقة لهذه التدوينة بأي أحداثٍ سياسيّة جاريَة الآن، كُلّ ما هُناك أنّ العبدَ لله كان " معزُولاً" لأسباب دراسيّة لفترة عن "المشهد السياسي". وإنّما هي فشّةُ غلّ حاصلة في الرقبة منذُ فترة حانَ أوانُ نشرها). 

النهيقُ داخلَ السرب

جلس فرحاً أمامَ حاسُوبهِ يغرّدُ عبر تويتر عن احتشادِ مناصرين لتوجهه السياسيّ بشوارع العاصمة حاملين شعاراتٍ ولافتاتٍ شتّى مصحوبة بمكبّرات الصوتِ وغيرها من مستلزمات المظاهرات. حكّ رأسهُ ثمّ هشتقَ* وبشتَق. في غمرةِ انسجامه انضمّ إليه سيلٌ من المناصرين يطلقون تغريداتهم الداعمة لذاتِ الموضوع. طبعاً لم يخلُ الأمرُ من اختلاق وصفٍ يجمعُ بين الاحتقار والفكاهة للإشارة للطّرفِ الثاني من النّزاع. سيتناسبُ مدى انتشارِ الفكرة مع مدى القدرة على الجمعِ بين الكوميديا الجذّابة وازدراء الخصمِ.

ليدعمَ وجهة نظره جمع كُل الصور التي تحصّل عليها من المظاهرة المذكورة أعلاه. طبعاً، اختارَ تلك النوعية من الصور التي تظهرُ كبرَ عدد المتظاهرين والازدحام الذي خلقوه لكي يدعمَ وجهة نظره. احتدمَ النقاش بينه وبين الخصُومِ في إحدى مواقع التواصل الاجتماعيّ. لا يدري لمَ يضيّع وقته معهم. إنهم حمقى على أيّ حال. لكن "يللا، بالك ربّي يهديهم".

بفرحةٍ عارمة قرأ على إحدى صفحات الفيسبوك خبر تصريح فُلانِ الفلانيّ الشخصية السياسيّة عن دعمه لموقفهم السياسيّ. لقد كان يرَى فيه منذُ زمنٍ بعيدٍ حكمةً وبعد نظر. إنها الفراسة يا أخي.
لكن، بعد عدة لحظاتٍ، شاهدَ مقطع فيديُو لذاتِ المحلّلِ ينتقدُ ذاتَ الموقفِ السياسيّ مما أدّى إلى ارتجاج الطاولة تحتَ قبضة يده الغاضبة. "فليذهب للجحيم، إنهُ وغدٌ منهم. عميل. أكيد دافعينله الكلاب. أصلاً كان مع سيف الكذّاب".

" لا أدري لماذا لا يفهم هؤلاء الأوغاد. نحنُ لا نريدُ إلّا الصلاح للبلد. نريدُ حمايتها من الأيادِي الأجنبيّة العابثة. نحنُ مع التعبير السلميّ دون سلاح عن صوتِ الشعب. نرحّبُ بالحوار وتبادل الأفكار للدفع بعجلة التنمية والنـّ.. إلخ إلخ إلخ .. "

**

لاحظْ عزيزي القارئ رحمكَ الله أنّي لم أحدّد بعدُ التوجّه الذي ينتمي له الموصُوف في العبارات أعلاه. لكنّك قد خلقتَ بالفعلِ صورةً ذهنيّة له في عقلك. على الأرجح هو من خصُومكَ السياسيين الحمقى أليسَ كذلك؟

كُلّ يلُوم أطرافاً أخرى، وكلّ يحيلُ على الأجندات الخارجيّة، وكلّ يصنّف ويصفّ الخصوم في رفوفٍ بعناية ليستمتعَ بالجلُوس قبَالتهم وسبّهم وأمّهاتهم ومن سبَق من آبائهم. لا بأس. على أيّ حال، إنهم متطابقُون أكثر مما يعلمون بكثير. كُلّ من هؤلاء الفرقاء لا يمثّلُ سوى نُسخةً من خصمه بطلاءٍ مختلفٍ. 

إني الآن صرتُ أنظرُ بعين الريبة لكلّ من يدّعي في ليبيا إيمانهُ بثقافة الحوار والتعايش في ظلّ الاختلاف الفكريّ. لا يمثّلُ ما يقولون عندي سوى نوعاً من الاستحمارِ والنّفاقِ الفارغ. إنّي أدّعي كذبَ معظمَ هؤلاء بغض النظر عن كونهم مسلمين أو ملحدين، إسلاميين أو ليبراليين أو غير ذلك. إن الكثيرين يثبتُون لي أنّ ما يعتمدون عليه هو الأحكام المسبقة. حُبّك/كرهك الشيء يعمي ويصمّ بل ويجعلُك كالأنعامِ. 

في العربيّة، ساسَ يسُوسُ جذرٌ قد يستخدم لوصف قيادة النّاس أو الدوابّ على حدّ سواء. لكلّ ما سبق، وتثبياً لثقافة القطيع التراثيّة الأصيلة، أطالبُ بعودة الدوريّ الليبيّ "الممتاز" بأسرع وقتٍ ممكن حتّى يوظّف الواحدُ منّا رغبته وشغفه بالانتماء ويمارسهُ ممارسَةً صحيّة وفعّالة، بعيداً عن ضجيج السياسة. كما أناشدُ الحكومة الليبية أن تُدرجَ كرت الجزيرة الرياضيّة ضمن السلع المدعُومة من الدّولة حتّى يُتاحَ ممارسَةُ هذا الحقّ ضمن إطارِ عالميّ. دعمُ الجزيرة الرياضيّة سيفتحُ علينا باب الأجندة القطريّة ولا شكّ، فينبغي لتعديل الكفّة أن تُدعمَ باقة الشُوتايم حتّى يتسنّى للإخوة الشلقميين أن يفصلُوا كرة القدم عن يد قطرْ.




هشتقَ العبارة يهشتقُها أي خلق منها " هاشتاق ليستخدم في موقع تويتر.. هشتقَ وبشتقَ صيغةُ مُبالغة. 

الثلاثاء، 1 يناير 2013

شفشاون: غرناطة الصُغرى



منظورٌ لمدينة شفشاون 


شفشاون: غرناطة الصُغرى
يؤمن الكثير بمبدأ تجاذب الأرواح، الذي يفسّر ارتياح الإنسانِ تلقائيّاً لبعضِ النّاس دون سابق معرفة.  وفي الحديث عن  النّبي – صلى الله عليه وسلّم - : (الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف).  منذُ فترة، أمرّ بشعورٍ مشابهٍ، لكنّه تجاذبٌ مكانيّ. والمكانُ في حالتِي يقعُ ببلادِ المغرب. البلادُ الّتي يعرفُ عنها المشارقة مقدار ما يفهمون من لهجتها الصّعبة، ما يحجبهم عن كنوزها الكثيرة.  
***
بيتٌ شفشاونيّ
تبدأ القصة قبل نحو مائتي عامٍ من سقوط غرناطة، حيث عاش بشمال المغربِ رجلٌ صالحٌ ينتسبُ لآلِ بيتِ رسُول الله ﷺ، هو [عبدالسلام بن مشيش]. تمضي الأيام والسّنون ليأتي عام 1471 أحد أحفاد هذا الرّجل، وهو الذي يشير إليه المغاربة بـ [مولاي عليّ بن راشد]، وليؤسس مدينة [شفشاون] لتكون قلعة للجهاد ضدّ حملات البرتغاليين التي قادها بابوات الفاتيكان. 





شفشاون، أو " شُف شاون" بلغة الأمازيغ هي "انظر للقرون"، وذلك لأنّ المدينة تتوسّطُ منطقة تغصّ بالجبال الشاهقة. زرقة السّماء ألهمت أهلها ليتّخذوا لونَها شعاراً لمدينتهم، فلا تكادُ تلتفتُ في أزقّتها إلا انسابت أمام عينيك لوحةٌ بديعة، حتّى صارت تعرف بالجوهرة الزّرقاء. لا يخالُها النّاظرُ لها من علٍ إلّا قطرةً نزلت من بحرِ السّماء الآزورديّ لتضيف لجمال الخضرة الأرضيّ.
**






طفلة موريسكيّة أندلسيّة بشفشاون
أميالٌ قطعها المُوريسكيّون المساكين، بعد قرار الطّردِ النّهائيّ عام 1502 ليركبوا عرضَ البحر، تاركين وراء ظُهورهم الفردوسَ الضّائع. ولم يجد هؤلاء من ظهرٍ يسندهم، ومن صدر يحتوي نحيبهم، ومن ساعدٍ يشدّ أزرهم سوى أهلهم بالمغرب.  


نسوة بالملامح التقليديّة، وملامحهنّ غير عربيّة بوضوح 
تفرّقوا في البلدان، وبطبيعة الحال، نزل الأوّل فالأوّل منهم بالشّمال المغربيّ، وخصوصاً بغرناطة الصّغرى [شفشاون]، الّتي يقطنها كثيرٌ من ذوي الأصول الموريسكية. ويجبُ الملاحظة هنا أنّ كلمة موريسكيّ ارتبطت في الأذهان بالعربِ، وهذا مفهومٌ مغلوطٌ. فالموريسكيّ هو لفظُ إهانة أطلقه الإسبانُ على المسلم المغاير لهم في الديانة، فمنهم العربُ، والأمازيغُ، والنّاظر لوجوه أهل شفشاون مثلاً يجدُ كثيراً من الملامح الأوروبيّة الدّالة على أصلها.


**



هذا المزيجُ الفريدُ، جعل شفشاون ما هي عليه، غرناطة الصّغرى. مدينة جبليّة، طيّبة الهواء، زرقاء البُنيان، حِرفُها اليدويّة انفجارٌ كونيّ صغيرٌ من الألوان.
عجائز شفشاونيّات بالزيّ التقليديّ المذكور
لا أدري ماذا بالتّحديد، لكن هُناك جاذبيّة ما تشدّني لهذه المدينة. هل السبب طبيعتها الخضراء وجمال اصطفاف أبنيتها الزرقاء؟ ألكونها كانت قلعة للجهادِ والاستبسال؟ أم ربّما لامتزاج الأعراق فيها بإبداع؟ أم ربّما هو الزّي المميّز لنسائها والّذي يُقال إنّه زيّ نساء غرناطة؟ قبّعة السّعف تلك، والحجاب الأبيضُ الذي يسترُ رداءً برتقاليّ أو أحمر اللون مخطّطاً.

لم أزُرها حتّى الآن، أتمنّى ذلك في القريبِ العاجل، ولا شكّ عندِي أنّني سأشمّ بها بقيّة من رائحةِ الأندلس.  

الاثنين، 24 ديسمبر 2012

استقلالٌ .. مزيّف ؟..



يبدو أنّ شهر ديسمبر مكتُوبٌ عليه في سابق القدر أن يحتفظ بتواريخَ مهمّة. قبل أيام كان زمرةٌ من النّاس ينتظرون انتهاء العالم يوم الحادي والعشرين حسب نبوءة تقويم قبائل المايا القديمة (هذه القبائل لا تندرج ضمن قبائلنا "الشريفة"؛ فيُرجى عدم الخلط). وسطُ مدينة مانشستر  التي أقطنُ احمرَّ كأنفِ فتاةٍ إنجليزيّة في هذا الصقيع. إنه لونُ زينة الميلاد المجيد – بتعبير المسيحيين العرب – في ذكرى ميلاد المسيح.

في ليبيا تزيّنت الحسابات الشخصيّة للكثيرين من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي بصورٍ تذكّر بيوم الرابع والعشرين من ديسمبر؛ الذكرى الحادية والستين لاستقلال ليبيا (أو بالأحرى اتحادها وتكوينها) سنة 1951. الجميلُ بشأن المواطن الليبيّ – كغيره من بني البشر في نظري – أنّه على استعدادٍ أن يحتفلَ وقتما شاء. يحتاجُ فقط إلى سبب، أيّ سبب كان. مناسبةٌ ليفرح، ويحسّ بالمجدِ، وليستحضرَ دماء الأجداد، ويقبّل التراب تحتها. الجميلُ أيضاً أنّه لا يقرأ كثيراً، لذا لن يحسّ بأدنى انفصامٍ في الشّخصيّة محتفلاً بالاستقلال الذي كان قبل زهاء سنتينِ يُنعتُ بـ "المُزيّف" في كلّ كتب التاريخ.

لكن، المثير للحزن والاكتئاب، هو ذاتُ هذا السلُوك. صحيحٌ أنّ الثورة تغيّر بعض الأشياء. لكن تغيير الوعي بالتاريخ لا يأتِي بمجرّد ذكرِ مناسبةٍ خاوية المعانِي إلّا من الاحتفال بمجدٍ قديم. تغيير هذا الوعي  (أو تكوينه بالأحرى) لا يحدُث حقيقةً بسبب انتصارِ طرفٍ على آخر في حربٍ ما؛ مهما بلغَ المجدُ والتضحية فيها.

انتصارُ الثورة لا يعني أننا تعلّمنا من عهد الأجداد. لا يعني أصلاً أننّا أعطيناه أيّ اعتبارٍ. فنحنُ الآن عاجزُون عن تعرية ثورتنا وتشريحها، فما بالُك بأحداثٍ جاوزت نصف القرنِ من الزّمان، نسيتها أجيالٌ، وطمستها أيدٍ، وتلاعبت بها أقلامٌ. قليلٌ من "مفكّرينا" من استغلّ هامشَ الحرّية الذي توسّع لكي يبحثَ وينقّبَ ويكتُب وينشر. هذه النّدرة قد يكون لها مبررّاتها، وقد تكون مجرّد تعبيرٍ صارخٍ للفقر الفكريّ المُدقع في بلد ملايين البراميل السوداء. مجرّد انعكاسٍ آخر للتّصحّر الثقافيّ المستمدّ من بداوتنا بالطّبيعة.
الزعيم بشير السعداوي 

سيحدّثنا الكثيرون عن الملكِ الصّالح، عن جهادِه وجهادِ أجداده. سيحدّثوننا عن إقراره لدعوتنا المشؤومة "إبليس ولا إدريس". سيتحسّرون على روعة ليبيا في الخمسينيّات والستّينات. بطبيعة الحال، لن يذكروا قصّة الاستقلال كاملة. لن تجري الألسنة بذكر رجال هضمتهم الحقبة الملكيّة بعد نضالهم المرير مثل الزعيم بشير السعداوي ورفيقه أحمد زارم وغيرهم. ولن تحكي ألسنتهم أيّ مشاكل مرّت بها العشرينيّة الملكيّة. كما لن يحلّلوا الأسباب المنطقيّة التي أدّت لزعزعة هذا الحكم من جذوره، ونكبِ ليبيا بملازمٍ لازمها أربعينيّة سوداء. حسبُهم التصفيقُ وكفى. ..!



ستنصبُ الأعلامُ، وستُلقى الخطبُ، ثمّ يعودُ كلّ شابّ ليبيّ إلى بيته، مستمتعاً بالاستقلالينِ القديم والجديد. القديمِ الذي حُدّثَ عن عظمتِه ولم يرهَا. والجديدُ الذي يتمرّغُ في بركاتِ إنجازاتهِ الّتي سيتغنّى بها كثيراً على مسامِعِ أبنائه الممتعضين.   

الأربعاء، 28 نوفمبر 2012

ليبيا : الأخبارُ والسيَـر ..






نقلا عن مصادر خاصة
    قالت تسريباتٌ من مصادر مطلعة إن عبدالله السنوسي يشرع في كتابة مذكراته بعنوان "وحشٌ مظلوم ". الكتابُ الذي يُتوقّعُ أن يتصدّر مبيعات السُوق الليبيّ بما يكشفه من أسرارٍ وحقائق تكشفُ الوجه الآخر لـسفّاح [أبوسليم] ..

هذا وسيطلق بوزيذ دوردة قريبا مذكراته الخاصة بعنوان "يوميات وزير متنقل " يروي فيها الوزيرُ الرّحالة أخبار حلّه وترحاله .. 


المهدي العربي يلتحق بالركب أيضا. فحسب تسريبات أن دار الفرجاني تحصلت على حقوق نشر كتابه "خيانة عُظمى " يحاولُ فيه تفنيد ادّعاءات الخيانة التي أُلصقَت باسمه كما قال في لقاءٍ أجرتهُ معهُ وكالة أسوشيتد برس.  

أخيراً وليس آخراً، في جهدٍ مُشترك بين سيف الإسلام القذافي وجلود ، سيرى النّورَ في مطلع يناير القادم كتابُهما " من بني وليد إلى الزنتان " .. لكنّ مصادر أخرى قالت إنّ الكتابَ سيُنشرُ في وقت ٍ لاحق من 2013 لصعوبة ترتيب لقاءات عملٍ تناسبُ جدول عمل كلّ من المؤلفيْن.. 

عشّاقُ الفكر الأخضر سيفرحُون لمعرفتهم اعتزام أحمد إبراهيم إلى جمع كل الكتب المذكورة أعلاه في موسوعة بعنوان " الأعمال الخضراء الكاملة " الذي يذكُر نقّادٌ أنّه سيرشّح لجائزة أفضل كتاب عالميّ في مهرجان القاهرة القادم. 

"


السبت، 20 أكتوبر 2012

أخلاقيات الثورة، وخطايا الحرب الأهلية ..


" أعدِمـوا آخر ملك بأحشاء آخـر قسيس " .

**

إعدامٌ ميدانيّ في إحدى ساحات باريس
لطالما تغنّى " مثقفونا " بالثورة الفرنسية، وصدعوا رؤوسنا بما جلبته من حريّة، وعدالة، وتقدمّ ... إلخ إلى غير ذلك من النتائج الورديّة الجميلة .. مبجلين نتائجها، ومتناسين أنها كانت من أشدّ حقبات فرنسا دمويّة، حتى قدّر أن من أعدموا خلالها بلغ عددهم 40 ألف شخص أو يزيدون!

الآن، لو أردنا الحكم على مثل هذه الثورة بمنظور أخلاقيّ مُطلق. أي لو اعتبرنا بعض الأخلاقيات من المسلّمات التي لا يجوز خرقُها بأيّ حال من الأحوال ومهما كانت الغاية والمآل، هل يمكن لأي إنسان أن يقول إنه لو كان حينذاك في باريس، شاهد عيانٍ على هذه الدمويّة، إنه يرتضي ذلك، بل ويحرّضُ عليه. لماذا؟ لمجرّد تفتّق ذهنه عن مفاهيم غامضة، فضفاضة، هلاميّة على شاكلة " حريّة، مساواة، إخاء".

**

أدر شريطَ التاريخ مائتي سنة ونيّف، ووجّه نظركَ تلقاء الضفّة الأخرى للمتوسّط لتجد ليبيا الثورة عام 2011. فارقٌ في التاريخ والمكان، نعم. لكن، ربّما بعضُ الشبه.

شرارة. مظاهرات. ثورة شعبيّة. دمٌ. قتالٌ. حربٌ أهليّة. انتصار. ربما اختصارُ الدموع والدم المسكوبُ منذ فبراير 2011 فيه إهانة لمشاعر الكثيرين، لكن أزعمُ أنّه وصفٌ مقاربٌ للحقيقة.

**


الآن، أدر شريط الأحداث سنة بعد ذلك، لتقف عند تاريخنا اليوم 20 – 10 – 2012. مدينةٌ ما، ارتبط اسمها بعقيد سابقٍ مقبُور يُصادفُ اليوم ذكرى انتقاله من عالمنا إلى الجحيم كما نأمل. دفع كثيرٌ من أبنائها دمهم دعماً له، ودفاعاً عنه. تمكنّت بحرفيّة من التهرّب من مصير أختها مسقط رأس العقيد المذكور آنفاً. تمكنت بعد هذا الهروب الكبير من احتضان بقايا العقيد ولملمة شتات مريديه الذين تفرّقوا في الأمصار، وضاقت عليهم الأرضُ بما رحبت. صارت بعدها، النسخة الليبية لمثلث برمودا، بقعة سوداء لم يستطع سيل الثورة الوصول لها، فكبرت حتى صارت ورماً ربّما يزُول مع الأيام من تلقاء نفسه، لكن قد يتحوّل لورم خبيثٍ يودي بحياة جسم البلاد المنهك.

نحنُ إذن أمام خيارين، أحلاهما مرّ. تركُ المشكلة على حالها أملاً في أنّها ستتمكن بشكل سحريّ من استئصال نفسها. أو القيامُ بعمليّة جراحية طارئة ومستعجلة، كان المفرُوض أن يُشرعَ فيها شهوراً طويلة قبل الآن.

لكنّ، من نحنُ لنختار. فالقدرُ سيّر الأمور إلى أن اشتعلت جبهةٌ هُناك، يحلُو للكثير منّا وصفُها بالحرب القبليّة لثارات تاريخيّة تعزّزت وقت الثورة. قد يكون الأمر كذلك .. لكن، أريد أن أختم بمجموعة أسئلة ..

هل توقّفت ليبيا يوماً من أن تكون دولة قبليّة، إلا في مدينة أو مدينتين أو ثلاث ربّما .. ؟

ألم تلعب القبليّة دوراً في ترجيح كفّة الثوار تارة، وتارة كفّة القذافي .. ؟

هل من المنطقيّ أن نصدّق أن جُلّ الشباب الذين ضحّوا بأنفسهم خلال الثورة فعلوا ذلك من أجل الحريّة والديمقراطية وغيره من الكلام الجميل المنمّق، أم الصحيح والأقرب للعقل والتصديق أنّ الاصطفاف كان في مجمله مبنيّا على قبيلة الإنسان، والمنطقة الجغرافية التي شاء القدرُ أن يضعهُ فيها .. ؟

ثمّ، ننتقلُ إلى سؤال محرج ٍ أكثر ..

هل مازال فينا من يدّعي أن ثورتنا – المجيدة بوصف الكثيرين – كانت ثورة نظيفة لم ترتكب فيها أيّ جرائم حرب .. ؟

ألم يُقتلْ مدنيّون عُزّل خلال قصف النيتو وحين دخول الثوار لمدن كثيرة ..؟ ألم يكن من بين هؤلاء أطفالٌ لا ذنب لهم، ونساءٌ لا قوّة لهم، وعجائزُ لا مفرّ لهم .. ؟

ألم تحصُل سرقاتٌ ونهبٌ وحرقٌ .. و و و إلخ ..

ألم نكُن نصفّق للثوار اقتحامهم لمدن ٍ جديدة، ونحنُ ندرك باطنيّا أنّ جرائم ستحدُث، وإنْ رفضنا وقتها بداعي حلم الثورة الورديّ أن نعترف بذلك .. ؟

لا شكّ لديّ أنّ كلّ ما ذكرتُ أعلاه قد وقع، صدّق من صدّق وأنكر من أنكر .. لكن، كلّ هذا؛ الحربُ الأهليّة، التعصّب القبليّ، جرائمُ الحرب .. كلّ هذا يسهُلُ علينا التغاضي عنهُ .. لماذا ..؟ من أجل أمل ٍ ما .. من أجل مجموعة من الأحلام الغامضة الفضفاضة الهلاميّة، تدورُ بخلدنا كما دارت أحلامٌ ما بخلد رجل ٍ باريسيّ قبل مائتي عام.

**

إذا أقررنا بهذا، فلا أدري ما وجهُ الاعتراض في إزالة الورم المذكور.

 إن كانت الأخلاقيات مرتبطة بزمان ما، فهذا يجعلها مصلحجيّة مزدوجة المعايير ما يتعارضُ مع جوهرها.

لكنّ الإقرار بأنّ الغايات قد تبرّر أبشع الوسائل قد يريح ضمائرنا. ليجعلنا نقف في صف عمليّة لن تكون نزهة، بل سيتكرّرُ فيها سيناريو خطايا الثورة، لكن من شأنها أن تقرّبنا – ولو وهماً – من تلك الأحلام المنشودة.

كل المدونات الليبية