السبت، 7 فبراير 2015

مخطوطة سيرافينيانوس: أغرب وأجمل موسوعة، تُبعث للحياة




مخطوطة سيرافينيانوس: أغرب وأجمل موسوعة، تُبعث للحياة

بقلم:  ماريا بابوفا
ترجمة:  أنس أبومّيس
         
" ترى ما تريد أن ترى. قد تظنّ أنه يخاطبك، ولكن ذلك من وحي مخيّلتك لا غير". 
في سنة 1976 انطلق الفنان والمعماري والمصمم الإيطالي لويجي سيرافيني، وهو في السابعة والعشرين فقط، ليخلق موسوعة مُحكمة للأشياء والمخلوقات الخيالية، والتي اتخذت مكانة بين أبجدية إدوارد جوري المُلغزة، وخزانة عجائب آلبيرتوس سيبا ، وكتاب الألعاب السريالية، وآليس في بلاد العجائب. 
الأكثر من ذلك هو أنها لم تكن مكتوبة بلغة عادية ولكن بأبجدية غامضة ظهرت كأنها لغة مُصطنعة - وهي محاولة شديدة التعقيد لدرجة أنها تشكل أحد أبرز مفاخر علم التشفير. لقد أخذت من عمره حوالي ثلاث سنين لإكمال المشروع، وثلاثاً أخرى لنشرها، ولكنها نشرت أخيراً. اجتذب الكتابُ – وهو تحفة فنية غريبة ورائعة من الفنّ والاستفزاز الفلسفيّ على حافّة عصر المعلومات- عدداً متنامياً من المتابعين مستمراً في اكتساب الزخم حتى بعد نفاذ الطبعة الأصلية.
والآن، للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاثين عاماً، يُبعَثُ للحياة مجدداً كتاب شيفرة سيرافينيانوس، في نسخة باذخة من قِبل دار ريتزولي Rizzoli -  ذات الميول لاستخراج الكنوز المنسيّة – وتتضمن النسخة فصلاً جديداً بقلم سيرافيني وهو الآن في ستينيّاته، وتأتي في طبعةً موقّعة بيد الكاتب نفسه على كلّ من المجلّدات الفاخرة.  






في مقابلة مع مجلة وايرد إيتاليWired Italy، يجذب سيرافيني الانتباه إلى التشابهات الدقيقة مع كتب الأطفال من حيث الطريقة التي يسحر بها كتاب شيفرته أهواءنا كبالغين بجماله الغريب:
" ما أريد أن تُوصله أبجديّتي للقارئ هو ذلك الإحساس الذي يشعر به الأطفال بين يدي كتبٍ لا يستطيعون فهمها بعد. لقد استخدمته لوصف عالمٍ خياليّ تحليلياً وإعطاء إطار متماسك. تنشأ الصّور من الصدام بين هذه الكلمات الخياليّة والعالم الحقيقيّ. لقد صارت الشيفرة محبوبة جداً لأنها تجعلك تشعر بالراحة أكثر مع خيالاتك. إن وجود عالمٍ آخر مستحيل، ولكن وجود عالمٍ خياليّ قد يكون ممكناً. "




بينما يمزح متحدثاً عن تسعيرة الكتاب المرتفعة، يتكلم سيرافيني عن نقطة جادًة أكثر بخصوص كيف ينمّ عن الاختياريّة المثيرة لانتباهنا.
"  النسخة [الجديدة] غنية جداً وغالية أيضاً، أعلم هذا. ولكن الأمر تماماً كما يقول النفسانيّون: المال شيءٌ مهمّ، والتكاليف المالية هي جزءٌ من عمليّة الشفاء. في النهاية، إن كتاب المخطوطة مماثل لاختبار رورشاخ بواسطة بقعة الحبر. أنت ترى ما تود رؤيته. قد تظن أنه يخاطبك، ولكنها مخيّلتك لا غير.





لا شك أنه أحد أعقد وأجمل كتب الفن التي أُبدِعَت على الإطلاق، وشيفرة سيرافينيانوس هو أيضاً تأمّل عابرٌ للزمن بشأن ماهيّة "الواقع" على وجه الحقيقة، وهو بالأخص حسن التوقيت في عصر اليوم ذي المفاخِر التي تبدو سرياليّة مثل أشكال الحياة الجديدة تماماً المهندسة جينياً، والجسيمات تحت-الذريّة المتسارعة نحو بعضها بسرعة تفوق سرعة الضوء، وتشفير كتابٍ كاملٍ في جزيء DNA واحد. 

السبت، 24 يناير 2015

أراضي الأساطير : أومبيرتو إيكو عن أعظم خرائط الأماكن الخيالية



أراضي الأساطير : أومبيرتو إيكو يتحدث عن أعظم خرائط الأماكن الخيالية ولماذا تجذبنا ..
بقلم : ماريا بابوفا
ترجمة:  أنس أبوميس
" غالبا ما يستحيل غرض رغبة ما، عندما تُحوّل الرغبة إلى أمل، إلى حقيقة أكثر من الحقيقة ذاتها"
لقد كان للروائي والفيلسوف والكاتب والناقد الأدبي ومحب التصنيف الإيطالي المشهور أومبيرتو إيكو افتتان قديم بالرمز والمجاز، يرجع إلى وقت كتابه عن الدلاليات القديمة الخاص بالأطفال. بعد نصف قرن، يؤوب إلى سحر المجازيّ والرمزيّ في "كتاب أراضي الأساطير" – وهو رحلة مصورة في أعظم بقاع التاريخ الخيالية، بكل سكانها المختلقين وعاداتها الغريبة، بمقاييس في حجم قارة أطلانطس الأسطورية وفي صِغر أماكن خيالية مثل شقة شيرلوك هولمز.
ينطلق إيكو كدليل سياحي ديناميكيّ للمخيلة الإنسانية ليسلط الضوء على اللغز المركزي عن السبب الذي يجذبنا إلى يوتوبيّات وديستوبيّات [عوالم للشر المطلق] كهذه بقوة واستمرارية شديدين. ما الذي يكشفانه عن علاقاتنا بالحقيقة، وكيف يدللان على التوق الإنساني الجوهري لفهم العالم وإيجاد موطئ قدم لنا فيه. فعلى أي حال، لطالما كانت الخرائط إحدى الطرق العظمى لفهم الحياة، والتي طبقناها على كل شيء من الأكوان، إلى الزمان، إلى الذاكرة العاطفية.
يكتب إيكو في المقدمة:
إن الأراضي الأسطورية ذات ألوانٍ متنوعة وتشترك في خاصية واحدة فقط - سواءً اعتمدَت على أساطير عتيقة قد ضاعت أصولها في غياهب الزمان أم كانت من تأثير المخترعات الحديثة-  ألا وهي أنها أجرَت أنهاراً من المعتقدات.
مدى حقيقة هذه الأوهام هو موضوع هذا الكتاب.
خريطة سان سيفير للعالم، من "بياتوس سان سيفير" (1086)، باريس، المكتبة القومية الفرنسية

خريطة T وO  ، بارثولوميو الإنجليزي، "كتاب خصائص الأشياء" ، (1392)


توباياس سويندين، "بحث في طبيعة ومكان الجحيم"، (1714)، لندن، تايلور




جزء من "خارطة بيوتنجر" _(نسخة من القرن الثاني عشر)



خريطة بالمونوفا، من كتاب فرانز هوجنبرج وجورج براون "مدن العالم" (1572-1616)، نورمبرج




يدرس إيكو جاذبية اليوتوبيا بكونها طرحاً ملموساً لما هو ممكن:
غالبا ما يستحيل غرض رغبة ما، عندما تُحوّل الرغبة إلى أمل، إلى حقيقة أكثر من الحقيقة ذاتها. بسبب الأمل في مستقبل ممكن، يكون كثيرون مستعدين لتقديم تضحيات جسام، وربما حتى الموت، يقودهم أنبياء، وحالمون، ووعاظ ذوو كاريزما، وخطباء مفوهون يوقدون عقول أتباعهم بحلم جنة على الأرض (أو في مكان آخر).

لمجهول، "خريطة جاين الكونية" (حوالي 1890)، مطلية على القماش، مكتبة الكونجرس



رحلة يوليسيس كانت بعيدة عن الوطن"م.و.ماكارثي "خريطة عالم هوميروس" (1849)، نيويورك، المكتبة العامة




خريطة العالم وفقاً لهارتمان شيديل، في "تاريخ نومبورج"، نورمبورج (1493)




خريطة على الخشب لجزيرة يوتوبيا على واجهة الطبعة الأولى من رواية "يوتوبيا" لتوماس مور (1516)، المكتبة البريطانية


ولكن، هناك جانب مظلم لا مفر منه لليوتوبيات، والتي قد يصبح افتراضها ذاته لسعادة مثالية ضرباً مُثقِلاً من ضروب الاضطهاد. يكتب إيكو:
لن نودّ دوماً العيش في تلك المجتمعات التي تنصحنا بها اليوتوبيّات، لأنها تشبه عادةً دكتاوريات تفرض السعادة على مواطنيها على حساب حريتهم. على سبيل المثال، فإن يوتوبيا ثوماس مور تدعو إلى حرية التعبير والفكر بالإضافة إلى التسامح الديني، ولكنها تحصرها في المؤمنين وتستثني الملحدين، الذين هم ممنوعون من الوظائف العامة، حين تحذر "إذا أخذ أحد ما الرخصة للتجوال بعيداً عن منطقته الخاصة وألقي القبض عليه دون إذن صادر من القاضي الأعلى فإنه يعاقب بشدّة؛ وإذا تجرّأ على إعادة الكرّة يُحكم عليه بالعبودية." علاوة على ذلك، لليوتوبيات خاصية -  كما في الأعمال الأدبية - كونها تكرارية نوعاً ما، لأننا بتمنينا لمجتمع مثالي ننتهي دوماً إلى صنع نسخ من النموذج نفسه.
رسومات لرواية جولز فيرنز"عشرون ألف فرسخ  تحت الماء" (1869 – 1870)



أبراهام أورتيليوس، "خريطة آيسلندا" (القرن السادس عشر)




فوق كل شيء، يرى إيكو في الخيال توكيداً غير متوقع للحقيقة، فالقصص الخيالية هي - بطريقة قوية- المكان الوحيد الذي يمكننا فيه أن نتحرر من قلقنا الوجودي من المجهول، لأن كل شيء في الخيال هو بالتحديد ودون غموض تماماً كما أريد له.
إن عالم القصص المحتملة هو الكون الوحيد الذي يمكننا فيه أن نكون متأكدين بشكل مطلق من شيء ما، ما يعطينا حساً قوياً جداً بالحقيقة. يعتقد السُذّج أن إلدورادو وليموريا توجدان أو قد وجدتا في مكان أو آخر، وقناعة المشككين هي أنهما لم توجداً قطّ، ولكننا جميعاً نعلم أنه من المؤكد دون أدنى شك أن سوبرمان هو كلارك كينت وأن دوكتور واتسون لم يكن يوماً الساعد الأيمن لنيرو وولف، وفي الوقت ذاته من المؤكد بذات القدر أن أنا كارينينا ماتت تحت قطار وأنها لم تتزوج أبداً بفتى الأحلام. 

إن كتاب الأراضي الأسطورية عظيمٌ بكليّته. فليتمّمه القارئ بكتاب "مخطوطة سيرافينيانوس": أجمل موسوعة في التاريخ عن الأشياء الخيالية، و"أين أنت":  دراسة رائعة في فن رسم الخرائط كدليل للروح. 


* المقال الأصلي

الخميس، 13 نوفمبر 2014

لقد أخفقت اليوم

لقد أخفقت اليوم*
أو بالأحرى لقد أخفقت طيلة حياتي ..

مرحباً. اسمي جون. لقد كنت أجوب المكان منذ مدة، لكنني أخيراً أنشأت حساباً لأنشر هذا. أنا في حاجة لأن أزيح حمل حياتي عن صدري. أما عن نفسي، فأنا مصرفيّ في الـسادسة والأربعين من العمر وقد عشت حياتي كلها عكس ما أردت. كل أحلامي، شغفي، قد زالت. في وظيفة من التاسعة حتى السابعة. ستة أيام في الأسبوع. لستة وعشرين عاماً. اخترت باستمرار الطريق الآمَن في كل شيء، الأمر الذي غير في النهاية الشخص الذي كنت.

اليوم، علمتُ أن زوجتي كانت تخونني خلال السنوات العشر الأخيرة. لا يحملُ ابني أي مشاعرٍ تجاهي. أدركتُ أنني فوّتت جنازة والدي من أجل لا شيء. لم أكمل روايتي، ولم أسافر عبر العالم، ولا ساعدتُ المحتاجين. كل هذه الأشياء كنت أظنني متأكداً منها وأنا في أواخر مراهقتي وأوائل عشريناتي. لو قابلني النسخة الشابة مني اليوم، للكمني على وجهي. سوف أتكلم عن كيف حُطِّمت هذه الأحلام.

لنبدأ بوصفي وأنا في العشرين. يبدو الأمر وكأنني بالأمس كنت متأكداً أنني سأغير العالم. أحبني الناس وأحببت الناس. كنت مبتكراً، خلّاقاً، عفوياً، مقداماً على المخاطر، وممتازاً مع الناس. كان لدي حلمان. الأول كان أن أكتب كتاباً يوتوبياً/ديستوبياً**. والثاني، كان أن أسافر حول العالم وأساعد الفقراء والمشردين. 

حينها، كنت بدأت مواعدة زوجتي منذ أربع سنوات. حبٌ الصبا. لقد أحبَّت عفويّتي، وحيويتي، وقدرتي على إسعاد الناس وإشعارهم بالمحبة. كنت متأكداً أن كتابي سيغير العالم. كنت سأظهر جوانب "شريرة" و"خبيثة"، لأظهر لجمهوري أن كل الناس يفكرون بطريقة مختلفة، وأن الناس لا يعتقدون أن ما يفعلونه خاطئ. بلغت الصفحة 70 عندما كنت في العشرين. والآن لازلت في الصفحة 70، في عمر السادسة والأربعين.

بحلول العشرين، كنت قد عزمت على الترحال حول نيوزيلاندا والفيليبين. خططت لزيارة كل من آسيا، ثم أوروبا، ثم أمريكا (بالمناسبة، أنا أعيش في أستراليا). حتى اللحظة، لم أزر سوى نيوزيلاندا والفيليبين.

والآن، نصلُ إلى حيث اتخذت الأمور منحىً سيئاً. حسراتِي الكبرى. كنت في العشرين. كنت ابناً وحيداً. احتجت لأن أكون مستقلاً. احتجت لأن آخذ وظيفة الخرّيجِ تلك، والتي ستحدد حياتي بأكملها. أن أكرس حياتي لعمل من التاسعة إلى السابعة. بمَ كنت أفكر؟ كيف يمكنني أن أعيش حين تكون الوظيفة هي حياتي؟ بعد أن آتي للبيت، كنت آكل العشاء، وأجهز عملي لليوم التالي، وأنام في العاشرة، لأستيقظ في السادسة في اليوم التالي. يا إلهي، لا أتذكر آخر مرة قضيتُ وقتاً حميمياً مع زوجتي.

بالأمس، اعترفت زوجتي بأنها كانت تخونني خلال السنين العشر الماضية. عشر سنين. يبدو هذا كزمن طويل، لكن ليس بمقدوري استيعابه. ولا يؤلمني الأمر حتى. إنها تقول إن ذلك لأنني تغيرتُ. لم أعد الشخص الذي كنت. ماذا كنت أفعل خلال السنوات العشر الأخيرة؟ خارج العمل، لا شيء يذكر. لم أكن زوجاً أصيلاً. ولم أكن نفسي.

من أنا ؟ ما الذي جرى لي؟ لم أطلب حتى الطلاق، ولم أصرخ بوجهها، أو أبكِ. لم أشعر بشيء. بإمكاني الآن الشعور بدمعة وأنا أكتب هذا. ولكن ليس بسبب أن زوجتي تخونني، ولكن لأنني الآن أدرك أنني أموت من الداخل. ما الذي حدث لذاك الشخص الحيوي محب المرح ومتحدي المخاطر الذي كان أنا، ذاك الذي يتحرّق لتغيير العالم؟ أتذكّر أنني دعيت لموعد غرامي من قبل الفتاة الأكثر شعبية في المدرسة، ولكني رفضت من أجل زوجتي الحالية. يا إلهي، لقد كنت محبوباً جداً من الفتيات في الثانوية. في الجامعة أيضاً. لكنني بقيت مخلصاً.لم أستكشف. درست كل يوم.
أتذكرون تلك الرحلة وكتابة الكتاب الذي أخبرتكم عنه؟ كان ذلك كله في السنوات الأولى من الجامعة. عملتُ بدوام جزئي وبدّدتُ كل ما جنيت. الآن، أنا أدّخر كل قرش. لا أتذكر آخر مرة أنفقت فيها أي مبلغ على شيءٍ ممتع. على أي شيءٍ لنفسي. ما الذي أريدهُ أصلاً الآن ؟

توفي والدي قبل عشر سنين. أتذكر أني تلقيت مكالمات من أمي، تخبرني أنه كان يغدو مريضاً أكثر فأكثر. وأنا كنت أغدو منشغلاً أكثر فأكثر، قاب قوسين أو أدنى من ترقية كبيرة. كررتُ تأجيل زيارتي، متأملاً في نفسي أن يتماسك. لقد مات، وحصلت على ترقيتي. لم أره منذ خمسة عشر عاماً. عندما توفي، قلت لنفسي إنه ليس من المهم أنني لم أره. لكوني ملحداً، بررت لنفسي قائلاً إن ذلك لم يهم لأنه ميت. بم كنتُ أفكر؟ مبرراً كل شيء، مقدماً الأعذار لتأجيل الأمور. أعذار. تسويف. كل ذلك يقود لشيءٍ واحد، اللاشيء.

سوغتُ لنفسي أن الاستقرار المادي كان أهم شيء. الآن أعرف أنه بالتأكيد ليس أهم شيء. أنا نادمٌ لترك وظيفتي تستولي على حياتي. أنا نادمٌ لكوني زوجاً شنيعاً، مجرد آلة لكسب المال. أنا نادمٌ لعدم إنهاء روايتي، ولعدم السفر في العالم. لأني لم أكن داعماً عاطفياً لابني. لكوني محفظةً لعينة عديمة المشاعر.

إن كنت تقرأ هذا، وحياتك بأكملها أمامك، فأنا أرجوك. لا تسوّف. لا تدع أحلامك لما بعد. تلذذ بطاقتك، وبشغفك. لا تستخدم الإنترنت طيلة وقت فراغك (إلا إن كان شغفك يحتاج ذلك). أرجوك، افعل شيئاً ما بحياتك وأنت يافع. لا تستكن وأنت في العشرين. لا تنس أصدقاءك، وعائلتك. ونفسك. لا تضع حياتك، وطموحاتك، كما ضيعتها. لا تكن مثلي.
أنا آسفٌ على هذا المنشور الطويل، لم يكن بيدي إلا هذه الفضفضة.

* هذا المقال مترجم عن الإنجليزية من مقالة جون جيريسون JohnJerryson في موقع التواصل الاجتماعي Reddit ضمن حملة بالموقع تحت عنوان Today I Fucked Up يشارك فيها الناس القُرّاءَ بمقالاتهم عن أخطائهم. نص المقال الأصلي: http://www.reddit.com/r/tifu/comments/2livoo/tifu_my_whole_life_my_regrets_as_a_46_year_old/


** الرواية اليوتوبية: المتحدثة عن المدينة الفاضلة، وأما أدب المدينة الفاسدة فيسمى ديستوبيا. 

الخميس، 20 فبراير 2014

لماذا سأصوّت ..؟



اليوم هو العشرون من فبراير 2014. فبراير، الشهر الذي يبدو أنّه شهرٌ حافلٌ على الدوام في ليبيا. قبل ثلاث سنين، سحلت أجساد المتظاهرين في ميدان الشهداء في بداية الثورة. واليوم، تفرّقت الآراء وتشعبت السبل بعد اتّحاد كان مكتوباً له، كعادة الأشياء، الزوال والانحلال. شهدنا هذا العام فوز المنتخب الوطنيّ بكأس أفريقيا للمحليين، الإنجاز الذي لا ينكر أشدّ المتشائمين أنّه بث شعوراً من التفاؤل، ولو لحظياً، بين الناس. بعدها بأيام، كان حراك " لا للتمديد " الذي طالب المؤتمر بالتنحي بحكم انتهاء ولايته. وبين فرحة الكرة وإخفاقات المؤتمر، برزت موضة "الانقلابات المتلفزة" التي افتتحها حفتر لتتلوه بعد أيام كتائب القعقاع والصواعق.

هناك شعورٌ عام بالإحباط والترقّب في ليبيا هذه الأيام. النّاس اليوم مفترقون، بين مصوتٍ، وغير مصوتٍ، وغير مكترثٍ لهذا ولا ذاك بسبب الإحباط المتفشّي. المقاطعون للانتخابات أسبابهم شتّى. هناك الأمازيغ الذين يرفضون توزيع المقاعد الحاليّ ويطالبون بكوتا أكثر ضمانةً لتمثيلهم. من المقاطعين، في طرابلس بالأخصّ، من يرى أنّ التوزيع الحاليّ للمقاعد على الطريقة الفيدرالية (ستون مقعداً، عشرون لكل ولاية من الولايات الثلاث) هو توزيعٌ ظالمٌ وفيه اجترارٌ تاريخيّ لا محلّ له. بالإضافة للمقاطعين لأسبابٍ محددة، هناك من هو نادمٌ على تصويته في انتخابات المؤتمر الوطنيّ، ولا يريد تكرار ذات الخطأ، فهو منسحبٌ من الأمر برمّته.

شخصياً، قررت التسجيل في الانتخابات والتصويت لأسبابٍ عدّة. يرى الناظر بوادر انحلالٍ للعملية الديمقراطية (ولو كانت صورية) في ليبيا. هذه البوادر المنذرة برزت بوضوح مع حراك "لا للتمديد". كل اللقاءات التلفزيونية للداعمين للحراك، وكل النقاشات التي خضتها مع داعميه، كانت تنتهي بي إلى السؤال التالي "ماذا بعد .. ؟ ". ولما لم أجد جواباً على هذا السؤال، ويكون البديل الوحيد المطروح هو "القبائل الشريفة" بتعبير أحد أعضاء المؤتمر "المستقيلين" يوم 7 فبراير، فإنّ هذا يشكل عندي واحدةً من أكبر الكوارث التي يمكن أن تصيب البلد. يزداد هذا التخوف حينما يبدو قادة ميليشياتٍ مثل القعقاع، المرتبطين بما يُفترض أنه الحزب الفائز في الانتخابات الماضية، مستعدّين للإجهاز على ما تبقى من صورة الديمقراطية الوليدة، ليتبع ذلك "تسليم السلطة للشعب" .. يعلم الله أي شعبٍ هو ..

لا يشكل الدستور بالنسبة لي، كما هو للكثيرين، العصا السحرية التي ستحلّ مشاكل البلاد. لكنّه يمثل في نظري مرحلة مهمّة، ينبغي أن تقطعها البلاد بأسرع وقتٍ ممكن، وبأقلّ قدرٍ من الخسائر. لن يكون في نظري أي حراكٍ اقتصاديّ حقيقيّ في البلاد (وبالتالي أي تغير ملموس في حياة الإنسان) مع أي حكومة مؤقتة. لذا، فإنّ إطالة الفترة الانتقالية/المؤقتة لا يزيد إلا في تعقيد الوضع، وإنهاك المواطن، وتقوية من في مصلحتهم دوام الوضع على ما هو عليه. بالمقابل، إنّ نجاح انتخابات اللجنة التأسيسية، ومن ثمّ تمكنّها من كتابة دستورٍ يتوافق عليه الشعب الليبي، سيعدّ أمام العالم، الذي نحتاجه أكثر مما يحتاجنا، علامةً على أنّ ليبيا في الاتجاه الصحيح.

أعتقد أنّ المركب ستسير مهما كان حجم المقاطعة. وأفضّل أن أكون من النادمين على اختيارٍ اجتهدتُ في تحرّيه، على أن أكون من النادمين على مقاطعتي للانتخابات. 

الأربعاء، 18 سبتمبر 2013

معرض جامعة طرابلس للكتاب الجامعيّ


يُختتم غداً 19/9/2013 معرض جامعة طرابلس للكتاب الجامعي الذي افتتح السبت الماضي. زرت المعرض يوم أمس وهذه تدوينة لتسجيل انطباعي.

مدخل قاعة العرض
اختير مبنى قسم الكيمياء بكلية العلوم ليحتضن هذا الحدث. هناك لافتات دالّة تبيّن المكان بوضوح، وفور دخولك المبنى يُقابلك بوسترات أخرى توضح تفاصيل أكثر. أيضاً، هناك تواجدٌ ممتاز للشباب العاملين بالشركة المنظمة للمعرض وهي "شركة مجموعة الرقميات". يرشدُك بابتسامة أحد الشباب لكشك التسجيل، بعد ملء نموذجٍ معيّن، ثم تُمنحُ بطاقة زائر. عند دخولك قاعة العرض، تُمسح البطاقة بجهاز إلكترونيّ. بشكلٍ عام، مثل هذا الاستقبال المرحّب يُفتقدُ دائماً في الجهات العامّة الليبية، لذا فإنّ للحصول الزّائرِ عليه أثرٌ طيّب. أيضاً تتوافر داخل المعرض شبكة Wifi إلا أنّه لم يتسنّ لي استخدامها.
دليل المعرض وبطاقة الدخول


تعرضُ دور النّشر كتبها في الأجنحة المخصصة ضمن طابقين بمبنى قسم الكيمياء. تتواجد جامعاتُ طرابلس، وبنغازي، وسبها إلى جانب دور نشرٍ خاصّة. معظم الكتب المعروضة هي بطبيعة الحال كتبٌ تخصصيّة في علومٍ ومجالاتٍ شتّى مما يهمّ الطالب الجامعيّ. كتب اللغة الإنجليزية موجودة بكثرة، ويمكن بالإضافة إلى ما سبق الحصول على كتبٍ من مجالاتٍ أخرى. دار النّشر التي شدّتني بكتبها هي دار أويا، وبالخصُوص كتب المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسة بالدوحة. كتب د.عزمي بشارة موجودة ضمن هذه المنشورات.


بالمسرح الموجد جوار قاعة العرض تُقام محاضرات حول مواضيع مرتبطة بالكتاب الجامعيّ والقراءة بصفة عامّة. كما تقام بها بعض النشاطات الأخرى مثل الإلقاءات الشعريّة.
داخل إحدى المحاضرات

المعرضُ بصفة عامّة حسن التنظيم بصورةٍ كبيرة. المكان مرتّبٌ ومهيّء والعاملون بالمعرض سواءً من الشركة المنظمة أو من دور النشر العارضة يرحبون بالزوّار ويساعدونهم إذا احتاجوا. لكن هناك بعض الملاحظات التي سجلتها ينبغي العمل على تحسينها. فرغم أنّ الموقع الإلكتروني للمعرض جيّد من ناحية التصميم والمنظر، إلا أنّه تنقصه بعض المعلومات التي لم تتواجد لا قبل افتتاح المعرض، ولا حتى خلاله. مثلاً عندما تحاول الولوج لصفحة مواعيد المعرض يقابلك التالي:





أيضاً، ممّا يزعجُ الزائر أنّ المعرضَ يختصّ بعرض الكتب فقط لا بيعها حيث ستقوم دور النشر ببيع منشوراتها في معرض طرابلس الدوليّ للكتاب. وفي سياق هذه النقطة، لا توجد تسعيرات واضحة على الكتب ولا يمكن للزائر الحصول على قائمة بالكتب الموجودة في كلّ دار نشرٍ مصحوبة بأسعارها. أرجو أن تُتلافى هذه الأخطاء في معرض طرابلس الدوليّ المقرر افتتاحه الشهر القادم. 
كل المدونات الليبية